ابن أبي الحديد

34

شرح نهج البلاغة

أصيب وجهه يوم أحد ، فدخلت الحلقتان من المغفر في وجنتيه ، فلما نزعتا جعل الدم يسرب كما يسرب الشن ( 1 ) ، فجعل مالك بن سنان يمج الدم بفيه ، ثم ازدرده ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أحب أن ينظر إلى من خالط دمه بدمي فلينظر إلى مالك بن سنان . فقيل لمالك : تشرب الدم ! فقال : نعم ، أشرب دم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من مس دمه دمى لم تصبه النار " . قال الواقدي : وقال أبو سعيد : كنا ممن رد من الشيخين ( 2 ) لم نجئ مع المقاتلة ، فلما كان من النهار بلغنا مصاب رسول الله صلى الله عليه وآله ، وتفرق الناس عنه ، جئت مع غلمان بني خدرة نعرض لرسول الله صلى الله عليه وآله ننظر إلى سلامته ، فنرجع بذلك إلى أهلنا ، فلقينا الناس متفرقين ببطن قناة ، فلم يكن لنا همة إلا النبي صلى الله عليه وسلم ، ننظر إليه ، فلما رآني قال : سعد بن مالك ! قلت : نعم ، بأبي أنت وأمي ! ودنوت منه ، فقبلت ركبته وهو على فرسه ، فقال آجرك الله في أبيك ! ثم نظرت إلى وجهه ، فإذا في وجنتيه مثل موضع الدرهم في كل وجنة ، وإذا شجة في جبهته عند أصول الشعر ، وإذا شفته السفلى تدمى ، وإذا في رباعيته اليمنى شظية ، وإذا على جرحه شئ أسود ، فسألت : ما هذا على وجهه ؟ فقالوا : حصير محرق . وسألت : من أدمى وجنتيه ؟ فقيل ابن قميئة ، فقلت : فمن شجه في وجهه ؟ فقيل : ابن شهاب ، فقلت : من أصاب شفتيه ؟ قيل : عتبة بن أبي وقاص ، فجعلت أعدو بين يديه حتى نزل ببابه ، ما نزل إلا محمولا ، وأرى ركبتيه مجحوشتين ( 3 ) يتكئ [ على ] السعدين : سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ، حتى دخل بيته ، فلما غربت الشمس وأذن بلال بالصلاة ، خرج على تلك الحال

--> ( 1 ) الشن : القربة الخلق . ( 2 ) الشيخان : موضع بالمدينة ، كان به معسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأحد ، وهما أطمان سميا به . ( 3 ) يقال : جحش الجلد : سحجه ، وهو كالخدش أو فوقه . ( 4 ) من أ .